لغة الياسمين

"ليغيب وجه الموت عن كلماتنا ابتكرنا الياسمين" محمود درويش

بعيد هو كالحلم، قريب هو للقلب

بعيد هو كالحلم، قريب هو للقلب

 

الجمري القضية

 

كتبت: رباب أحمد

WATAN

 

حين تلبس الشخصيات قضايا أمتها، فإنها تتحول من رموز إلى قضايا، ويغدو تقديسها تقديساً للقضايا لا الرموز، تقديساً ينبع من عقيدة العقل، والضمير الحر. بينما الحماسة للرموز المجردة، ما هي إلا ترنح حالة سكراً وجداني، سرعان ما ينطفئ بريقها، مع أول هبة ريح عاتية أو حتى نسيميه. ونحن على مشارف ذكرى ترجل فارس الأمة البحرينية جميعها عن صهوة جواده، يطيب لنا هنا اليوم -وأبداً- استحضار، بعض من القضايا التي لبسها أحد أبرز شيوخ المناضلين البحرينيين المرحوم الشيخ عبدالأمير الجمري(ره). لبسها فغدت رداءه الذي يكسوه، وغطاءه الذي يتدثر به، وثماره الذي أفنى حياته لقطافها.   

 

 
الشعب:

كان الشعب البحريني بكل ألوانه  قضية الشيخ عبدالأمير منصور بن الحاج محمد بن عبد الرسول الجمري،  الأولى التي لم يتوان أو يتراخى يوماً عن الدفاع عنها. ولم يتردد برهة في بذل أغلى ما يملك -روحه- فداء له. شاهراً سلاح الحق في وجه كل من يحول، دون إصباح الشعب البحريني على الوطن الجميل. حاملاً على عاتقه هو وثلة من المناضلين الناشطين دور المطالبة بحقوق الشعب، والإصلاحات الجوهرية في الوطن. عاش الشيخ الجمري هموم الشعب نساءه ورجاله وأطفاله، سنة وشيعة، من مختلف فئات المجتمع. وكان حاضراً في مختلف ساحات المجتمع البحريني. يُضرب عن الطعام مع أبناءه من الشعب حين يضربون عنه، ويقاسمهم دمعتهم وبسمتهم، حين تدمع عيونهم من العذاب المسلط عليهم، أو حين تُرتسم ابتسامة على قلوبهم لعودة مبعديهم، أو تحقيقهم لنصراً.

ولم تكن انشغالاته وتدهور صحته فاصلاً بينه وبين زياراته للشعب في مختلف المناطق البحرين في المناسبات. ومده للعون المادي والمعنوي لهم. محاوراً للكبير والصغير بكل تواضع؛ لذا توجهه الشعب أميراً لهم.

 
الشهداء:

كان المرحوم الجمري أول المصلين على أجساد الشهداء، والوحيد الذي أستنهض أهل منطقة "الدراز" للصلاة على جسد الشهيد عبد الحميد عبدالله قاسم المستشهد في مارس/آذار 1995م ،رغم كثافة قوات الأمن وغزارة مسيلات الدموع، لمنع أهل منطقة الدارز من دفن الشهيد عبد الحميد.     

  المرحوم الجمري في لقاء مع الشيخ عبدالأمير قبلان خلال مؤتمر القدس   

زيارة سماحة الشيخ الجمري لبيت الخاجة
الوحدة الوطنية:
الإنسانية والوطن كانتا عنصرا النهج الوسطي الذي سار المرحوم الشيخ عبدالأمير الجمري عليه طوال حياته. مؤمناً في ذلك بالقول المأثور عن الإمام علي (ع) :" الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق". حاملاً على عاتقه دون كلل المطالبة بالحقوق المشروعة لكل أبناء البحرين من الطائفتين الكريمتين. والمتتبع لخطب المرحوم الشيخ يجد أنه يخاطب أبناءه البحرينيين بعبارة "أيها الشعب المسلم المسالم". غير جاعلاً من الأيدلوجيات العقائدية فيصلاً في ذلك. واعياًً لما للتعامل مع القضايا الوطنية على أساس من الطائفة أو العنصرية البغيضة، من دوراً في أضعاف الوحدة بين أبناءه البحرينيين، وشق الصفوف. متخذاً سماحته من الأرضية المشتركة بين أشقائه المناضلين، من أصحاب التوجهات الدينية واليسارية والقومية، كدافع تصاعدي نحو الوحدة الوطنية الشاملة. تصدره للعريضتين النخبوية والجماهيرية سنة 1992م و 1994م، بالتعاون مع الرموز الإسلامية السنية، والشيعية، والليبرالية، مثالاً على روحة الوحدوية. وتواصله مع مختلف التوجهات البحرينية كزياراته لجماعة المرحوم الشيخ سليمان المدني، وزياراته لجمعية "الإصلاح"، وكذلك زياراته لأشقائه المناضلين بتوجهاتهم العديدة حين عودتهم من المنفى. عبارة أخيرة -وهي ليست وافية البتة- في هذا الشأن الممتد ، إن روح الجمري الوطنية  لم تكن حبر على ورق، أو خطب تُلهب جماهيرها بل هي سماحة ومصالحة مع الذات قبل الآخرين ، وحس وطني عالي. 

     فارس الأمة البحريينة مع الفذ عبدالرحمن النعيمي

          فارس الأمة البحرينية مع الفذ عبدالرحمن النعيمي             

نصير المرأة:

كان الجمري مسانداً لتعليم البنات في المدارس النظامية، سواء خلال فترة مراحل التعليم الأساسي أو من خلال دعمه لمواصلة المرأة تعليمها العالي، في الوقت الذي كان فيه المتشددين يحاربون مواصلة المرأة لتعليمها العالي. وجاهد مع أهالي قريته "بني جمرة" لإنشاء مدرسة "هاجر للبنات" في منطقة بني جمرة في العام 1975م. وكذلك رؤيته لضرورة مشاركة المرأة في الحياة السياسية في البلاد. فقد وافق الشيخ المرحوم الجمري على طلب الناشطة منيرة فخرو، بإدراج مطلب "حقوق المرأة" ضمن العريضة النخبوية في العام 1994م، بل أثنى على طلبها وأثنى عليها. 

و كان يحث المجتمع البحريني على المشاركة في النضال السلمي، غير مستثني في ذلك النساء منه. وأيضاً سعيه لانخراط المرأة في العمل الاجتماعي والإسلامي، حيث قسم المرحوم الجمري مسجد منطقته "بني جمرة" إلى قسمين، قسم خاص للرجال، وقسم أخر خاص للنساء بستارة في العام 1979م ، بعد ما كان العديد يرفض ذلك.

وكان القائد الجمري ينتقد كثيراً الفوضى الناتجة عن انغماس الرجال، في إساءة استخدام الأحكام الشرعية في مسألة تعدد الزوجات، أو في مسألة الزيجات المؤقتة في زواج المتعة أوالمسيار، لدى الطائفتين الكريمتين. ورافضاً لكل عروض الزواج من زوجة ثانية، مستغنياً عن الأربع بـ "زهراء أم جميل" زوجته الصالحة، التي آزرته بقوة وصلابة وساندته في كل الظروف التي مر بها.

 

الصبر والحلم حتى مع الخصوم:

لمس خصوم المرحوم الجمري قبل أبناءه من الشعب، صبره وحلمه. فرغم كل العذابات التي تعرض لها في المعتقلات، وزنازين الحبس الانفرادي، لم يثن ذلك من ثباته على الإيمان بقضايا الأمة البحرينية، والعزيمة الصادقة لنيلها. متحملاً كل صنوف التفنن في العذاب، لتحمله وصفه بأبشع النعوت وأقسها. حتى حين تم الاعتداء على كرامته واحترامه، وحين وصل بهم الحال لوصفه "بالأفعى" خلال الجلسة الثالثة، من محاكمته.  

مرة وبينما كان يتذوق أبشع ألوان العذاب على يد أحد معذبيه، من دفع وتمزيق لثيابه، وثم وضعه في غرفة يوجد بها ضوء شديد الأشعة، وأحاط به ستة ضباط وبدأوا معه دورات قاسية من التحقيق والصراخ والتهديد بالاعتداء عليه وعلى عائلته، قال له متمرساً في تعذيب المساجين: "سأخيّسك في السجن"، فرد عليه الشيخ الجمري: "افعل ما تشاء، فأنا لست بأحسن

من غيري".

وكم رفض من عروض للتنازل عن نشاطه المشروع من أجل الإصلاح، في مقابل الإفراج عن المعتقلين في السجون والمنفى، قائلاً لهم: "كل الشباب أبنائي". فرغم شدة الألم الذي كان يعتصره من فراقهم، إلا أنه لم يجعل من المساواة بالوطنية خياراً له البتة. وكان يحترق ألماً وحزناً وهو يسمع ما يجري قريباً منه في غياهب السجون، من صرخات الألم والتأوّهات التي يطلقها المعتقلين السياسيين، ويهتف "دعوا أبنائي بسلام". هذا الألم والضغط عليه بتعذيب أسرته،- التي طالما أحضورا أفرادها مراراً له في السجن لتثبط عزيمته-  وأخبروه باستمرارهم في تعذيب المعتقلين إن لم يتنازل عن مطالب الشعب البحريني المشروعة.

 

القومية العربية:

كان سحابة الوطن البيضاء قومياً خلال حقبة في الستينات، مؤيداً للرئيس المصري جمال عبد الناصر، والذي كان يعشقه في تلك الحقبة؛ لمساندة الأخير في دعم حركات التحرر الوطني في البلدان العربية من الاستعمار الأجنبي. وكان المرحوم الشيخ الجمري يشارك في المسيرات المناهضة للاستعمار البريطاني للبحرين، وللدول العربية الشقيقة أبان فترة وقوع المنطقة العربية تحت أنياب المستعمر الأجنبي.

 الشيخ الجمري - المحامي النشط زهير ابو الراغب - نقيب المحامين الأردنيين المحامي صالح العرموطي - الأستاذ هاني الدحلة (رئيس المنظمة العربية لحقوق الانسان في الأردن)

الشيخ الجمري - المحامي النشط زهير ابو الراغب - نقيب المحامين الأردنيين المحامي صالح العرموطي - الأستاذ هاني الدحلة (رئيس المنظمة العربية لحقوق الانسان في الأردن)
 
الاهتمام بالقضية الفلسطينية:

كان للقضية الفلسطينية مكانة في القلب الكبير للمرحوم الجمري، حيث أولى اهتمام بها، , وكان مؤمناً وداعماً لحق المقاومة الفلسطينية في  تحرر من قبضة الاستيطان الصهيوني. وشارك المرحوم الشيخ عبدالأمير الجمري في مؤتمر "علماء الإسلام لإنقاذ القدس ونصرة الشعب الفلسطيني" في بيروت في الفترة ما بين 9 - 10 يناير 2002م. وذللك من خلال مشاركته بأحد المحاور المتناولة في هذا المؤتمر، وهو المحور المتعلق بتعزيز وحدة الأمة الإسلامية وكل الأمة من، أجل قضية الأمة الجوهرية "القدس".       

 المرحوم الجمري في لقاء مع الشيخ عبدالأمير قبلان خلال مؤتمر القدس

 المرحوم الجمري في لقاء مع الشيخ عبدالأمير قبلان خلال مؤتمر القدس

 
ليس أخراً... ذلك التاريخ الطويل المشرف، وروحه التي تُبعثُ في أروحنا كل برهة من الزمن، تنشر ألوان الفرح والأمل، كحمامة سلام ترفرف بجناحين ملائكيين، يجزمان لنا دون ريب أنه لم يدفن يوماً في قبر، بل هي حدائق القلوب من حوته.  

 

 صور سماحة الشيخ الجمري في مصحة العلاج الطبيعي بألمانيا

 صورة سماحة الشيخ الجمري في مصحة العلاج الطبيعي بألمانيا

 
(نص الرسالة التي بعثها الشيخ  المرحوم عبدالأمير الجمري بالفاكس إلى أبنه الدكتور منصور ،في لندن يوم 21 يناير/ كانون الثاني 1996 قبل ساعات قليلة من اعتقاله)

 

"أنا والعائلة نعيش الحصار داخل البيت وقد طوقنا بعشرات الجنود وعدد من السيارات، بل حوصر جيراننا في بيوتهم وهم الذين بجانبنا وخلفنا حتى المغتسل، وشرقا حتى بيت طه جاسم، ويمتد غرباً إلى بيت ميرزا آدم، ولم يسمح لأحد منا بالخروج إلا الأطفال إلى المدرسة ويفتشون في خروجهم ودخولهم تفتيشا دقيقا. نحن في حال سيئ جدا ً. لا أدري ما سيجري بالنسبة إلينا وللشعب من تطور وتصعيد للعنف... هذا وإذاعتهم وتلفزيونهم وصحفهم تتكلم ضدنا وتربط الأحداث (أحداث العنف) التي استدرجوا الناس إليها بنا وبالمساجد وتزعم أننا استغلينا المساجد. الآن يحاولون إسكات الأمة من خلال اعتقال عدد من العلماء وجميع الشيالين (خطباء المواكب الحسينية) وأعداد كبيرة من الشباب... ولم يبقَ إلا الأمل فـي الله والرجاء منه. ولعلمكم، من جانبنا لا تراجع عن مطالب الشعب ونحن – إن شاء الله - على الدرب سائرون... مع السلامة".

 



أضف تعليقا

bahrainj من البحرين
01 ديسمبر, 2007 07:07 ص
السلاااااام عليكم

الشقيقة رباب

لقد اشجيتني لن نستطيع ان نفي حق هذا الرجل العظيم

فعلا ضعنا بعدك يا ابا جميل

لقد كنت ابا حنونا غاليا ورمز صمود لجميع الشعب

صبرت وصبرت حتى عجز محاصروك

طبت وطاب ثراك

شكرا لك يا شقيق

جعفر
bolafee من الهند
03 ديسمبر, 2007 01:57 ص
شقيقتي رباب
لفتة جميلة وكريمة منك في ذكرى هذا القائد
رحمه الله
نعم كان داعياً حقيقياً إلى الوحدة الوطنية مترفعاً عن الخطاب الطائفي ورافضاً له ، نصر المرأة في كثير من الميادين وله خطب مشهودة ، عروبي الانتماء ومهتم لدرجة كبيرة بقضية فلسطين وما مهرجان القدص الذي لا أنساه في قرية القدم إلا خير دليل وبرهان

شخص لا توفيه الكلمات
ولاتعبر عنه السطور
هذا هو الجمري
رحمه الله
وإلى جنان الخلد يا أبا جميل

كضيفٍ يدخل البيوت من منافذِ مجهولة دون سابق إنذار، ويعيد ترتيب غرفه، دخلت أنت عمق قلبي العذري دون أستذان لتجده مشرعاً لك، تتربع على عروشه. مسقطاً كل المعايير، ماحياً إياها جمعيها.. جمعيها دون استثناء! حلم أنت أم حقيقة! حلم أنت أم حقيقة! مولاي، رحمتك من كل هذا البلل الذي اغرق فيه.