بعيد هو كالحلم، قريب هو للقلب
الجمري القضية

حين تلبس الشخصيات قضايا أمتها، فإنها تتحول من رموز إلى قضايا، ويغدو تقديسها تقديساً للقضايا لا الرموز، تقديساً ينبع من عقيدة العقل، والضمير الحر. بينما الحماسة للرموز المجردة، ما هي إلا ترنح حالة سكراً وجداني، سرعان ما ينطفئ بريقها، مع أول هبة ريح عاتية أو حتى نسيميه. ونحن على مشارف ذكرى ترجل فارس الأمة البحرينية جميعها عن صهوة جواده، يطيب لنا هنا اليوم -وأبداً- استحضار، بعض من القضايا التي لبسها أحد أبرز شيوخ المناضلين البحرينيين المرحوم الشيخ عبدالأمير الجمري(ره). لبسها فغدت رداءه الذي يكسوه، وغطاءه الذي يتدثر به، وثماره الذي أفنى حياته لقطافها.
كان الشعب البحريني بكل ألوانه قضية الشيخ عبدالأمير منصور بن الحاج محمد بن عبد الرسول الجمري، الأولى التي لم يتوان أو يتراخى يوماً عن الدفاع عنها. ولم يتردد برهة في بذل أغلى ما يملك -روحه- فداء له. شاهراً سلاح الحق في وجه كل من يحول، دون إصباح الشعب البحريني على الوطن الجميل. حاملاً على عاتقه هو وثلة من المناضلين الناشطين دور المطالبة بحقوق الشعب، والإصلاحات الجوهرية في الوطن. عاش الشيخ الجمري هموم الشعب نساءه ورجاله وأطفاله، سنة وشيعة، من مختلف فئات المجتمع. وكان حاضراً في مختلف ساحات المجتمع البحريني. يُضرب عن الطعام مع أبناءه من الشعب حين يضربون عنه، ويقاسمهم دمعتهم وبسمتهم، حين تدمع عيونهم من العذاب المسلط عليهم، أو حين تُرتسم ابتسامة على قلوبهم لعودة مبعديهم، أو تحقيقهم لنصراً.
ولم تكن انشغالاته وتدهور صحته فاصلاً بينه وبين زياراته للشعب في مختلف المناطق البحرين في المناسبات. ومده للعون المادي والمعنوي لهم. محاوراً للكبير والصغير بكل تواضع؛ لذا توجهه الشعب أميراً لهم.
كان المرحوم الجمري أول المصلين على أجساد الشهداء، والوحيد الذي أستنهض أهل منطقة "الدراز" للصلاة على جسد الشهيد عبد الحميد عبدالله قاسم المستشهد في مارس/آذار 1995م ،رغم كثافة قوات الأمن وغزارة مسيلات الدموع، لمنع أهل منطقة الدارز من دفن الشهيد عبد الحميد.

نصير المرأة:
كان الجمري مسانداً لتعليم البنات في المدارس النظامية، سواء خلال فترة مراحل التعليم الأساسي أو من خلال دعمه لمواصلة المرأة تعليمها العالي، في الوقت الذي كان فيه المتشددين يحاربون مواصلة المرأة لتعليمها العالي. وجاهد مع أهالي قريته "بني جمرة" لإنشاء مدرسة "هاجر للبنات" في منطقة بني جمرة في العام 1975م. وكذلك رؤيته لضرورة مشاركة المرأة في الحياة السياسية في البلاد. فقد وافق الشيخ المرحوم الجمري على طلب الناشطة منيرة فخرو، بإدراج مطلب "حقوق المرأة" ضمن العريضة النخبوية في العام 1994م، بل أثنى على طلبها وأثنى عليها.
و كان يحث المجتمع البحريني على المشاركة في النضال السلمي، غير مستثني في ذلك النساء منه. وأيضاً سعيه لانخراط المرأة في العمل الاجتماعي والإسلامي، حيث قسم المرحوم الجمري مسجد منطقته "بني جمرة" إلى قسمين، قسم خاص للرجال، وقسم أخر خاص للنساء بستارة في العام 1979م ، بعد ما كان العديد يرفض ذلك.
وكان القائد الجمري ينتقد كثيراً الفوضى الناتجة عن انغماس الرجال، في إساءة استخدام الأحكام الشرعية في مسألة تعدد الزوجات، أو في مسألة الزيجات المؤقتة في زواج المتعة أوالمسيار، لدى الطائفتين الكريمتين. ورافضاً لكل عروض الزواج من زوجة ثانية، مستغنياً عن الأربع بـ "زهراء أم جميل" زوجته الصالحة، التي آزرته بقوة وصلابة وساندته في كل الظروف التي مر بها.
الصبر والحلم حتى مع الخصوم:
لمس خصوم المرحوم الجمري قبل أبناءه من الشعب، صبره وحلمه. فرغم كل العذابات التي تعرض لها في المعتقلات، وزنازين الحبس الانفرادي، لم يثن ذلك من ثباته على الإيمان بقضايا الأمة البحرينية، والعزيمة الصادقة لنيلها. متحملاً كل صنوف التفنن في العذاب، لتحمله وصفه بأبشع النعوت وأقسها. حتى حين تم الاعتداء على كرامته واحترامه، وحين وصل بهم الحال لوصفه "بالأفعى" خلال الجلسة الثالثة، من محاكمته.
مرة وبينما كان يتذوق أبشع ألوان العذاب على يد أحد معذبيه، من دفع وتمزيق لثيابه، وثم وضعه في غرفة يوجد بها ضوء شديد الأشعة، وأحاط به ستة ضباط وبدأوا معه دورات قاسية من التحقيق والصراخ والتهديد بالاعتداء عليه وعلى عائلته، قال له متمرساً في تعذيب المساجين: "سأخيّسك في السجن"، فرد عليه الشيخ الجمري: "افعل ما تشاء، فأنا لست بأحسن
من غيري".
وكم رفض من عروض للتنازل عن نشاطه المشروع من أجل الإصلاح، في مقابل الإفراج عن المعتقلين في السجون والمنفى، قائلاً لهم: "كل الشباب أبنائي". فرغم شدة الألم الذي كان يعتصره من فراقهم، إلا أنه لم يجعل من المساواة بالوطنية خياراً له البتة. وكان يحترق ألماً وحزناً وهو يسمع ما يجري قريباً منه في غياهب السجون، من صرخات الألم والتأوّهات التي يطلقها المعتقلين السياسيين، ويهتف "دعوا أبنائي بسلام". هذا الألم والضغط عليه بتعذيب أسرته،- التي طالما أحضورا أفرادها مراراً له في السجن لتثبط عزيمته- وأخبروه باستمرارهم في تعذيب المعتقلين إن لم يتنازل عن مطالب الشعب البحريني المشروعة.
القومية العربية:
كان سحابة الوطن البيضاء قومياً خلال حقبة في الستينات، مؤيداً للرئيس المصري جمال عبد الناصر، والذي كان يعشقه في تلك الحقبة؛ لمساندة الأخير في دعم حركات التحرر الوطني في البلدان العربية من الاستعمار الأجنبي. وكان المرحوم الشيخ الجمري يشارك في المسيرات المناهضة للاستعمار البريطاني للبحرين، وللدول العربية الشقيقة أبان فترة وقوع المنطقة العربية تحت أنياب المستعمر الأجنبي.

كان للقضية الفلسطينية مكانة في القلب الكبير للمرحوم الجمري، حيث أولى اهتمام بها، , وكان مؤمناً وداعماً لحق المقاومة الفلسطينية في تحرر من قبضة الاستيطان الصهيوني. وشارك المرحوم الشيخ عبدالأمير الجمري في مؤتمر "علماء الإسلام لإنقاذ القدس ونصرة الشعب الفلسطيني" في بيروت في الفترة ما بين 9 - 10 يناير 2002م. وذللك من خلال مشاركته بأحد المحاور المتناولة في هذا المؤتمر، وهو المحور المتعلق بتعزيز وحدة الأمة الإسلامية وكل الأمة من، أجل قضية الأمة الجوهرية "القدس".

المرحوم الجمري في لقاء مع الشيخ عبدالأمير قبلان خلال مؤتمر القدس

صورة سماحة الشيخ الجمري في مصحة العلاج الطبيعي بألمانيا
"أنا والعائلة نعيش الحصار داخل البيت وقد طوقنا بعشرات الجنود وعدد من السيارات، بل حوصر جيراننا في بيوتهم وهم الذين بجانبنا وخلفنا حتى المغتسل، وشرقا حتى بيت طه جاسم، ويمتد غرباً إلى بيت ميرزا آدم، ولم يسمح لأحد منا بالخروج إلا الأطفال إلى المدرسة ويفتشون في خروجهم ودخولهم تفتيشا دقيقا. نحن في حال سيئ جدا ً. لا أدري ما سيجري بالنسبة إلينا وللشعب من تطور وتصعيد للعنف... هذا وإذاعتهم وتلفزيونهم وصحفهم تتكلم ضدنا وتربط الأحداث (أحداث العنف) التي استدرجوا الناس إليها بنا وبالمساجد وتزعم أننا استغلينا المساجد. الآن يحاولون إسكات الأمة من خلال اعتقال عدد من العلماء وجميع الشيالين (خطباء المواكب الحسينية) وأعداد كبيرة من الشباب... ولم يبقَ إلا الأمل فـي الله والرجاء منه. ولعلمكم، من جانبنا لا تراجع عن مطالب الشعب ونحن – إن شاء الله - على الدرب سائرون... مع السلامة".











01 ديسمبر, 2007 07:07 ص