جدير بالذكر إنني تربيت وأنا أعيش أجواء محرم في إيران ، حيث الدولة الشيعية التي تقيم احتفالات ضخمة لإحياء هذه الذكرى الجليلة ، وبعدها انتقلت للكويت وكانت سنتاي اللتين عشتهما في الكويت أكثرهم فائدة لي كما أرى ، حيث استثمرت أغلب محرم وصفر لعامين متتالين بالإستماع إلى المرحوم الدكتور الوائلي ، لسان الشيعة ومكتبتهم المتنقلة كما كان يسمى ، وبعدها استقريت في البحرين لأعيش الجو الذي طالما حلمت به ، لذا فكان محرم وخصوصاً العشرة الأولى أيام مميزة لي أقضي معظمها إن لم يكن كلها في المأتم المجاور لمنزلنا ، أنا وأبناء الحي ، ونحن أبناء الحي معتادين على النوم في المأتم ، وما إن نستيقظ إلا وأتوجه للمنزل للإستحمام ثم أعود للمأتم لتناول وجبة الغذاء مع الشباب ، ليبدأ العمل بعد ذلك .
شاءت الأقدار أن أتواجد في محرم 1429 هـ في الهند ، وشاءت الأقدار أن نحيي العشرة مع جمع مهيب من الطلاب البحرينيين في الهند حيث يقدر عددهم بحوالي الألف طالب بحريني .
لقد شرحت المكان الذي تقام فيه الفعاليات هنا في بونا في تدوينتي قبل السابقة كما قرأ الكثيرون ، لذا لا داعي للتكرار .
من الطبيعي أن تكون عشرة محرم هي الفترة التي يحاول أي شيعي أن يستثمرها في التواجد في المآتم والمواكب ، حتى لو كان قليل التدين أو غير متدين حتى ، لكن كان من الملفت للإنتباه أن يتجمع الغالبية الساحقة بعد انتهاء الشيخ من المجلس الحسيني ، ويتوجهون للساحة المفتوحة خارج المأتم للتدخين ، فيصبح حينها الموقف أشبه بوقت إطلاق مدفع إفطار رمضان ، وكيف المدخنين يتوجهون لخارج منازلهم للتدخين ، ولعل المدخن يعرف الموقف هذا ، وما إن يخرج الناس فتتعالى معهم الأدخنة الكثيفة وتبدأ الأحاديث الجانبية بأخذ مكانها من المشهد ، ليصبح الوضع فوضوياً أكثر من المتوقع ولم أكن أنا ببعيد عن هذا المشهد نهائياً هههههه .
أتوجه إلى خارج المأتم للتدخين كبقية المستمعين ، لكنني ما إن أنتهي منها حتى أبادر بالدخول للجلوس في حلقة تشكل حول الشيخ ، حيث الحوار المفتوح لمدة ساعة ، قبل بدء العزاء ، والأسئلة الشرعية والفقهية ، وأغلبها في نظري تافهة ومن البديهيات وقد تنطلق )الأسئلة السخيفة( من احتمالين فقط ، الأول أن يكون السائل ممن لم يدخل ماتماً في صغره لتلقي التدريس الديني كما هو معمول في القرى والمدن البحرينية ، وثانيها حب السؤال فقط إما للتأكد أو لإظهار الإهتمام الشديد برجل الدين ومحاولة الإلتصاق بهم )رجال الدين( .
أنا عن نفسي ، أجلس هادئاً أتبادل الإبتسامات مع الشيخ كلما نظر إلي ، وأجلس صاغياً من دون مداخلات عادة ، إلا إن كان الأمر ضرورياً ، وقد حدث كما أذكر ثلاث مداخلات لي في ثلاث ليالي مختلفة ، في مواضيع لست بصدد ذكرها ، عموماً ينتهي المشهد يطلب من احد المنظمين بفك الحوار وإنهاءه للشروع في مراسم اللطم على الصدور ، لأتوجه حينها إلى الخارج وأتناول أطراف الحديث مع الأصدقاء ولكي أتزود من التدخين حتى انتهاء العزاء ، لندخل من جديد ونأكل من "عيش لحسين" مما تيسر لنا أن نأكل ، ومن بعدها نعود بأدراجنا إلى الشقة المبجلة .
لفت انتباهي إنه منذ اليوم السادس من المحرم )ليلة سابع( بدأ الناس بالتوافد بشكل ضخم ، وخصوصاً لدى الجالية الإيرانية الذين لديهم مأتم في نفس المساحة هذه ، وهو المأتم الرئيسي ، ما أستطيع أن ألاحظه هو دخول أشخاص لايبدو عليهم الإلتزام نهائياً ، ودخول الفتيات بتبرج مبالغ فيه ، ونظرات من هنا وهناك بين هذه الفتاة وهذا الشاب ، تنتهي عادة بتبادل الأرقام والتعارف .
من يقف خارج المأتم يراوده الشك في أنه في مجمع تجاري وليس في مكان ديني تقام فيه شعائر دينية وفي موسم خاص هو الأهم للشيعة ، لكن هذا هو واقع الحال .
العشرة أيام فترة للتلاقي وللتكفير عن الذنوب :
قد يستغرب البعض سبب إقحامي للتكفير عن الذنوب في هذه العشرة ايام كلها ، إلا أنني أقصد منها ما ستعرفونه من الكلام القادم .
تشكل العشرة ايام فرصة للإلقتاء بمن لم تلتقيهم منذ أن وطأت قدماك الهند ، أنا عن نفسي التقيت بـ4 أشخاص سمعت عن تواجدهم في الهند ولكنني التقيت بهم في المأتم ، أما تكفير الذنوب فهي بعض الممارسات التي يقوم بها البعض لتصحيح أوضاعه مع من يمسكون الجمعية الحسينية البحرينية في بونا ، وهي تابعة للمجلس العلمائي وتهتم بشئون الطلبة البحرينين في بونا ، وأعضاؤها هم خيرة الشباب البحرينيين المتدينين في الهند وهم طلاب في الجامعة أيضاً .
هناك شخص عرفته منذ قدومي للهند ، منبوذ من المتدينين وغير المتدينين لتصرفاته ولامتلاكه بعض الصفات السيئة ،أما المتدينين فيرون أول مشكلة فيه تعصبه للتيار الشيرازي وتجرؤه على ولاية الفقيه مع إنهم يقولون إنهم طلاب وحدة ولافرق بينهم وبين أصحاب القناعات الأخرى ، لكن كله كلام شعاراتي غير مطبق ، وأما الغير متدينين فينبذونه لتلفيقه الإشاعات جزافاً على الطلاب وإشعال الفتن بينهم .
وبينما الجميع اتفق على نبذه وذمه بمن فيهم الشباب القياديين حصل تغير مفاجئ في الموقف ، فما إن أهل محرم حتى بدأنا نراه يجلس بالقرب من المنبر ، ويقوم بتوزيع الشاي ، أو المساعدة في توزيع وجبات العشاء التي تحتاج لجهد ، أو التنظيف أو أي شيء آخر ، ليصبح بعدها المحبوب بين الجماعة التي كانت غاضبة عليه لفترة طويلة .













05 فبراير, 2008 02:13 ص