
تحت شعار "يا حارقي صفر اتحدوا"، وبمباركة سامية من لدن الحليف "الكسيف"- حطيناها في دفة الكسيف حسب تعبير حسين الجمري_ ، تم تدشين الحملة الياسمينية لجمع صور "حرقناك يا صفر" يوم الثلاثاء الموافق 11 من مارس 2008م .
ويعتبر "حرق صفر" جزءاً من الفلكلور الشعبي في المجتمع البحريني، ومن تقاليده التي ساهمت عوامل عديدة في قرب اندثارها وانقراضها. فالبعض يعتبرها عادات وتقاليد بالية، وجب التخلص منها، وأن إحياءها جزءاً من الرجعية، والتخلف. ويعدها آخرون من (المتدينين الجدد ) _ الحليف المجتبى كما أن للعلمانية روادها الجدد فلتدين رواده الجدد_ يعدونها "هراء" يجب استبدلها بصلوات على طريقة "دين الحق" حسب تعبيرهم.
وكما كان لنا موقف داعم للحافظ على ثقافة "القدو" ونقلها لجيل الهمبرقر -حسب تعبير الحليف حتى إشعار أخر سانكس _ فلنا اليوم موقف أخر داعم للتراث الشعبي بدعم ظاهرة "إحراق صفر"، لما لهذا الدعم ولو جزءٍ بسيط في الحفاظ على براءة الأيام الخوالي.
(يتخذ "حرق صفر" إجراءات عملية خاصة عند النساء بنزع الثياب السوداء القاتمة، ولبس الثياب والملابس الزاهية، وكسر بعض الأدوات القديمة كبعض من أواني الطبخ والأواني الفخارية أو رميها في البحر. أو تجميع من بعض الملابس البالية وصرها في صرة من القماش الكبيرة تسمى ( جمتة ) أو خريطة ورميها على السمادة ، والسمادة مصطلح تعارف عليه وهي موقع رمي القمامة والأوساخ والأدوات القديمة . كما تقوم ربة البيت بتطييب بيتها بواسطة البخور تدور به في أرجاء البيت لطرد الشياطين والحسد وقتل الآفات والأوهام والحشرات وغيرها، وتقوم أثناء دورانها في الحجرات والممرات والزوايا بذكر النبي والآل ، وتدوّر البخور أيضا على رؤوس من يمر على طريقها من أبنائها أو زوجها . ومما يتبادر في ذهنها بادئ ذي بدأ هو نزع ( الشبا) الملتصق أو المتدلي من السقف ومن بين الزوايا بواسطة سعفة طويلة يابسة، وهذا يعني التفنن في اتخاذ الفرحة العارمة مدخلا لمفارقة شهر صفر .
كيفية حرق صفر :
تتجهز النساء قبيل خروج صفر بإعداد مجموعة من ما تسمى ( القمبارات ) مفردها ( قمبارة ) ، حيث تذهب إلى النخيل أو إلى إحدى الخيس والخيس أو الجلحة تعني مجموعة من النخيل المكثفة تقع في مساحة واحدة غير مسيجة بأي سور . لتجميع سعف النخيل العتيقة الطوال اليابسة مستخدمة قوتها في كسر جذرها المتين ( القذف ) بحيث تجعل السعفات متساوية في الطول والحجم .
وعادة تكون طول القمبارة في مستوى القامة أو أصغر بقليل أي حسب قامة الشخص التي سيستخدمها ، فالصغار لهم ما يناسب قامتهم وهكذا .
ترص المرأة كل ثلاث أو أربع سعفات مع بعضها ويتم ربطها بواسطة الخوص أو بخيط الخيش، بحيث تصبح مقسمة إلى عدة أقسام قد تصل إلى أربع ربطات أو خمس .
في أعلى شكل القمبارة تحني ما زاد من ورق السعف وتغلفه بقطعة من ( الليف ) يتم نزعها من لحاف النخيل ، وتدير عليها خيط غليظ ، فتبدو شكلها من الأعلى راس صغير مكور .
أما من أسفل القمبارة فينزع من السعفات خوصها بمقدار ذراع أو أكثر وذلك تفاديا لتحجيم مستوى النار الآكلة للسعف ولحماية المستخدم من وصول النار إلى يديه .
تخرج النساء والأطفال في الجزء الأخير من عصرية آخر يوم من شهر صفر حاملين معهم القمبارات ، في جو مبهج ، فكل امرأة تأخذ بناتها وأولادها وتدعو جارتها أو عدد من الجيران للمشاركة في طقوس الحرق ذلك اليوم المشهود .
ومن بين التلال الرملية المتواجدة في القرى يتم تجميع وإشعال كومة أو تله من أشجار ( الرامرام ) اليابسة وهي شجيرة، تنبت في الأرض وتأخذ مساحة من قدمين مربع إلى ثلاثة أقدام مربعة وترتفع عن الأرض من قدم ونصف إلى قدمين ونصف تقريبا. تنمو على فروعها اللينة حبيبات خضراء ممتلئة بالماء بحجم العدسة . إلا أن فعل الحرارة المستمرة والشمس يحولها من خضراء إلى صفراء ثم تكون في حالة الجفاف تصلح كوقود للنار .
كما يتم إشعال عددا من سعف النخيل أو كومة من قمامة ونفايات قديمة وأقمشة وأكياس كانت ترمى خارج أسوار القرى، وفي مناطق معينة بعيدا عن المنازل والعمران لكي لا تؤدي الحرائق إلى تضرر تلك المنازل والبيوت بفعل النيران .
كيفية إشعال القمبارة وطقوسها :
توقد القمبارة من كومة الشجر أو مجموعة السعف المشتعلة بوضع رأس القمبارة المحاطة بالليف ، حيث إن مادة الليف تنتشر فيها النار بسرعة فائقة فتشري في جسدها مكونة كتلة من النار . تأخذ النساء والفتيات والأولاد القمبارة المشتعلة وتحركها على شكل دائري تبدأ بمحاذاة البطن من اليمين إلى اليسار أو من اليسار إلى اليمين وبكلتي اليدين ُتَملْوّح تلك القمبارة مكونة دائرة نارية مشعة مركزها رأس الشخص ، فإذا شعر الشخص بالتعب يتناولها بين حين وحين بيد واحدة مرة لليمين ومرة لليسار ومرة أخرى بجمع اليدين وهكذا حتى تأتي النار على الجزء المتبقي في آخرها وهم يرددون :
حال وعاد علينا صفر ،، حال وعاد علينا
حال وعاد على أمي ،، حال وعاد
حال وعاد على أبي ،، حال وعاد
حال وعاد على أخواني ،، حال وعاد
حال وعاد على خواتي ’’ حال وعاد
حال وعاد على جدتي ،، حال وعاد
حال وعاد على جدي ،، حال وعاد
حال وعاد على عمتي ،، حال وعاد
حال وعاد على عمي ،، حال وعاد
وهكذا حتى تمر أسماء الأهالي والجيران والأصدقاء والمؤمنين والمؤمنات لتنالهم عبارات الدعاء من الله بإطالة أعمارهم كي يدركو هذه الأيام والشهور .
ومن الأهازيج الأخرى الأكثر تداولا حين تبدأ مراسيم الاشتعال وتدوير القمبارة على الرأس والتي تمثل فيها حنق الجميع على هذا الشهر الذي تكثفت فيه وفيات الإئمة عليهم السلام وأبعدهم عن ملذات أيامهم وكأن الموعد في إشعال فتيل الدواعي عليه ووصمه بأبي المصائب قد تجمع ككتلة نارية الكل يريد إطفائها فها هم يرددون :
حرقناك يا صفر ،،، يا بو المصايب والكدر
حرقناك يا صفر ،،، على اطوير واعتفر
حرقناك يا صفر ،،، على ديك واعتفر
حرقناك يا صفر،،، على اعريس واحترق
حرقناك ياصفر ،،، يا بو المصايب والكدر
وكلما زادت النيران في القمبارة أعطت منظرا مكثفا في التوهج والإثارة خاصة عندما تقرب الشمس من المغيب ، فحين تدير عينيك متلفتا في كل اتجاه تجد شعلة من النار المأججة لعبة في أيدي الكبار والصغار والشباب ، وكأن هذه اللعبة مدار التداول الميسر قد احتموا بدعاء : اللهم اعطنا خيرها وابعد عنا شرها برحمتك يا أرحم الراحمين ..
الكل يتذكر الأم حينما يلفظ صفر نفسه الأخير ، ذلك الارتباط البيولوجي النفسي تؤكده عبارات الطقوس الصفرية وبموازاة التلويح بالقمبارة المشتعلة لطرد الوسواس والشياطين، وحرق الأمراض ودعوة الفناء على كل من تسول لها أو له التعرض للأمهات بسوء فيتم الترديد :
طلع صفر واميمتي سالمه سالمه
عدوة أمي في القبر نايمه نايمة
حرقناك ياصفر يابو المصايب والكدر .
أما الشباب والصبيان فلهم عملهم الخاص وذلك بتجميع الأشجار اليابسة والأخشاب والسعف وجمع الأوراق وأكياس الأسمنت والكل لا التفات له إلا العمل الدؤوب السريع في عمل جبل من تلك الخامات، فإذا شعروا بارتفاع علوها بدأو بإشعالها ، فكل واحد لديه وسيلة إيقاد ..
وهكذا تمتد طقوس صفر بعد صلاة العشائين منظرها لا يبارح مخيلة الذين عاشوا تلك الفترات ، فكيف تبدو الظلمة في تلك الليلة ، كيف تبدو روائح الثياب المختمرة فيها عطر الدخان ، كيف تبدو الوجوه المحمرة من الحرارة ، كيف تتراقص الأضواء في مخيلة الناس وقد عرجو بأحلامهم ليواجهوا أملً سعيد.)























10 مارس, 2008 11:54 ص