
تكاد لا تخلو المآتم الحسينية التي تهيئ نفسها لحلول شهر محرم، من وجود ظاهرة "القدو" لدى مآتم النساء، و"النارجيلة" بالنسبة للرجال، والأخيرتان هما أدوات شعبية للتدخين، قرينة بلفائف السجائر، غير أن ما يميز كل من "القدو" و "النارجيلة" عن "السجائر" هو القبول الاجتماعي لتدخينهما، حتى في الميادين العامة، والمتمثلة في "المآتم"، سيما على صعيد النساء، إذ أن غالبية الدول العربية تعتبر تدخين النساء في الميادين العامة منافياً للأعراف المجتمعية، ومحل استنكار مجتمعي، لكن حين يتعلق الأمر بـ "القدو"، و"النارجيلة"، فأن الأمر هنا مغاير تماماً. هذا ولم تسلم الأدوات المستخدمة في تحضير كل منها من موجة غلاء الأسعار.
رفدت ثقافة التدخين باستخدام "القدو" في البحرين مع هجرة بعض من الإيرانيين
إلى الخليج العربي، إذ نقلوا معهم هذه الظاهرة. ويعد "القدو" أداة من الأدوات التي
كانت تدخن بها النساء في البحرين قديماً، ولازالت هذه الأداة الشعبية منتشرة حتى الآن، خاصة بين الكبيرات في السن.
إلى ذلك، يتكون "القدو" بفتح القاف على لهجة البعض، وكسرها على لهجة آخرون، من أجزاء عدة، وتعد "الدبه" أولها، وهي القاعدة بالنسبة للقدو وهو مصنوع من الطين وهي قابلة للكسر يوضع بها الماء لإكمال عملية تدخين القدو يبلغ سعره حاليا حوالي "500 فلس"، لكنه ارتفع هذا العام مع موجة غلاء الأسعار إلى "700 فلس".

أما الجزء الآخر في "القدو"، فهو "البكار"، وهي العصا التي توصل بين الدبة وبقية القدو , وهو مصنوع من الخشب والقماش طوله حوالي 65 سم، ويصنع يدويا في القطيف والبحرين والعراق. أما "الرأس"، فهو مصنوع من الطين والحديد، وظيفته حمل التتن والجمر ويوضع فوق "البكا"ر طوله حوالي 14 سم. وهناك مكون في "القدو" يطلق عليه "البادكير"، وهو مصنوع من الألمنيوم، وظيفته المحافظة على حرارة الرأس وعدم فقدانه للحرارة يبلغ طوله حوالي 12 سم. و "الوقل"، المصنوع من الحجر أوالفحم، يوضع داخل "الرأس" لكي يمنع نزول الفحم و"التتن" من "الرأس" إلى "البكار" ويفضل البعض أن تكون من الحجر أو الطين وتكون بحجم حبة الفستق الكبيرة . أما المكون السابع للقدو فهو "القلم"، بفتح القاف على لهجة البعض، وكسرها على لهجة آخرون، وهو مصنوع من الخشب والقماش أو الشريط اللاصق، له وظيفته الوصل بين "الدبة" والمستخدم للقدو ويبلغ طوله حوالي متر تقريبا وتفضل الكثيرات من شاربات "القدو"، "القلم" المصنوعة في البحرين لجودته، والعراقي لمتانة صنعه وشهرته، وكما يوجد "القلم" "المخرز".
أما التبغ المستخدم في "الغليون"، فهو التتن: وهو نبات، يعطي لـ "القدو" طعمه ورائحته، والتتن ويزرع في عمان والبحرين والهند والبصرة ويوجد أنواع منها الحار والبارد والهندي وأرتفع سعره الكيلو منه إلى سبعة دينار ونصف الدينار، مع موجة الغلاء، حسبما أكدت لـ "الوقت" صاحبة مآتم للنساء في منطقة رأس رمان، ومن بين أنواعه (تتن الخاكه). ويقوم بعملية "تبجير" _إعداده للتدخين_ "الغليون " المتوسطين في العمر في المآتم الحسينية الرجالية والنسائية.

ويعتبر "القدو"، أو "الغليون" بحسب لهجة البعض، جزء لا يتجزأ من المآتم الحسينية في البحرين، إذ تخصص المآتم جزء من المساحة الخارجية الملحقة بها، مكاناً لتجمع النساء بعد أو قبل القراءة الحسينية، بينما تدخل بعض المآتم الحسينية النسائية والرجالية منها، "الغليون" داخلها. لكن العديد من المآتم منعت اليوم وسط المآتم، لأسباب تتعلق مضار التدخين على الصحة، ورائحة الدخان الصادرة من "الغليون".
كما أن بعض المآتم وفي الأعوام الأخيرة، منعت "الغليون" نهائياً منها، أحد هذه المآتم هو "مآتم الزهراء" للنساء بقرية الدير، مع توقف صاحبة المآتم عن التدخين قبل عدة أعوام، لأصابتها بالـ "الربو". وكذا بالنسبة لمآتم الرجال، التي اندثرت فيها ظاهرة وجود "النارجيلة"، داخل المآتم.
ولا يستعمل "القدو"، للتسلية، وسلوة للسهر، وكجالب الأنس لدى النساء فحسب، بل أن ماء القدو كانت الأمهات تستعمله في الماضي، لتسكين الألم لدى أطفالهن سواء داخل البطن أم الجلد أم الأذن، ولإسكاتهم عن البكاء، لينام بعد أشرابه لماء القدو، لساعاتٍ طويلة، ذلك لأنه يحتفظ بكميات كبيرة من مادة (النيكوتين) المخدرة، حسبما يؤكد الباحثون. ولفترة ليست بالبعيدة، وكان الناس في البحرين يستعملون ماء القدو لتسكين ألم لسعات الحشرات.
03 يناير, 2009 04:08 ص